تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩١ - تفريع
و لهذه الواقعة أمثلة كثيرة في العلوم الطبيعيات مثل الحركة القسرية فإنها صادرة عن الطبيعة بواسطة عروض ميل غريب، و مثل الحرارة الغريبة عند الحمي، فإنها محللة للبدن، مضعفة له، مؤذية للنفس، مع أن النفس يحدثها في البدن، لأجل انحراف الطبيعة عن اعتدالها اللائق بها في كل وقت.
و مثل الشكل الغريب الذي عرض للأرض أولا بواسطة أمر غريب حادث فغيّرها عما كانت و أخرجها عن الكرويّة التي مقتضى طبيعتها الاصلية فصار لها طبيعيا قبلته الأرض و حفظته يبوستها التي هي كيفية طبيعية لها، فالذي كان لها أولا بمنزلة الآفة و المرض، صار لها أخيرا بمنزلة المطبوع الموافق كالصحة، فلو لم يكن في طبعها من القوة الهيولانيّة ما يقبل الاشكال العارضة لأجل مصادفة الأمور الغريبة لما قبلتها بوجه من الوجوه أصلا، كالأفلاك و ما فيها، فالذي قبلته الأرض من هذه التضاريس في سطحها فإنما قبلته لأنها مطبوعة من وجه، مقسورة من وجه.
و تحت هذه الامثلة أسرار عظيمة لا يتفطّن بها الا الأقلون من العلماء وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ [٢٩/ ٤٣].
تفريع
فإذا علمت هذه القاعدة فمهما سمعت قول اللّه عز و جل يذكر هذه الأشقياء بالبعد و الشقاوة، فهم أشقياء مبعدون لا شك في ذلك، فان العذاب مطبق عليهم من فوقهم و من تحت أرجلهم، و مهما سمعت عز و جل ينبئ عن خلقه كلّه بالحسن و البهاء، و يذكر نفسه بالرحمة التي وسعت كل شيء، فاعلم انه بالنظر الى تلك الجهة الدقيقة التي نبّهناك عليها، انّ ذواتهم لو لم تستدع عروض العذاب الدائم لم يكن يفعل بهم ذلك، فان اللّه عز و جل لا يولّى أحدا الا